الشنقيطي
320
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
قال المازري ومن تبعه : صان اللّه الأموال بإيجاب قطع سارقها ، وخصّ السرقة لقلّة ما عداها بالنسبة إليها ، من الانتهاب والغصب ، ولسهولة إقامة البينة على ما عد السرقة بخلافها ، وشدد العقوبة فيها ليكون أبلغ في الزجر . ولم يجعل دية الجناية على العضو المقطوع منها بقدر ما يقطع فيه حماية لليد . ثمّ لما خانت هانت ؛ وفي ذلك إثارة إلى الشبهة الّتي نسبت إلى أبي العلاء المعرّي في قوله : يد بخمس مئين عسجد وديت * ما بالها قطعت في ربع دينار فأجابه القاضي عبد الوهاب المالكي بقوله : صيانة العضو أغلاها وأرخصها * حماية المال فافهم حكمة الباري وشرح ذلك : أنّ الدّية لو كانت ربع دينار لكثرت الجنايات على الأيدي . ولو كان نصاب القطع خمسمائة دينار لكثرت الجنايات على الأموال ؛ فظهرت الحكمة في الجانبين ، وكان في ذلك صيانة من الطرفين . وقد عسر فهم المعنى المقدّم ذكره في الفرق بين السرقة وبين النهب ونحوه على بعض منكري القياس فقال : القطع في السرقة دون الغصب وغيره غير معقول المعنى ؛ فإنّ الغصب أكثر هتكا للحرمة من السرقة ، فدلّ على عدم اعتبار القياس ؛ لأنّه إذا لم يعمل به في الأعلى فلا يعمل به في المساوي . وجوابه - أنّ الأدلّة على العمل بالقياس أشهر من أن يتكلّف لإيرادها . وستأتي الإشارة إلى شيء من ذلك في كتاب الأحكام . اه بواسطة نقل ابن حجر في فتح الباري . قال مقيّده عفا اللّه عنه : الفرق بين السرقة وبين الغصب ونحوه الّذي أشار إليه المازري - ظاهر ، وهو أن النهب والغصب ونحوهما قليل بالنسبة إلى السرقة ، ولأنّ الأمر الظاهر غالبا توجد البيّنة عليه بخلاف السرقة . فإنّ السارق إنّما يسرق خفية بحيث لا يطلّع عليه أحد ، فيعسر الإنصاف منه ؛ فغلظت عليه الجناية ليكون أبلغ في الزّجر . والعلم عند اللّه تعالى . ومن هدي القرآن للّتي هي أقوم : رجم الزاني المحصن ذكرا كان أو أنثى ، وجلد الزاني البكر مائة جلدة ذكرا كان أو أنثى . أما الرجم - فهو منصوص بآية منسوخة التلاوة باقية الحكم ، وهي قوله تعالى : « الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم » . وقد قدّمنا ذمّ القرآن للمعرض عمّا في التوراة من حكم الرجم ؛ فدلّ القرآن في آيات محكمة - كقوله يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ [ المائدة : 41 ] الآية ، وقوله : أَ لَمْ تَرَ إِلَى